ما الذي يعنيه التحليل النفسي اليوم؟ - التحليل النفسي اليوم | مقالات
ما الذي يعنيه التحليل النفسي اليوم؟

ما الذي يعنيه التحليل النفسي اليوم؟

شارك المقالة


ف محمد أمين / التحليل النفسي اليوم - مقالات


ليس السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان التحليل النفسي ما يزال صالحًا، بل ما إذا كان الإنسان المعاصر ما يزال قادرًا على تحمّل ما يكشفه التحليل النفسي عن ذاته. فالسؤال الحقيقي لا يتعلّق بقدَم النظرية أو حداثتها، بل بمدى استعداد الذات لأن تواجه ما لا تريد معرفته عن نفسها. في زمنٍ يُختزل فيه الألم إلى خلل، وتُقاس المعاناة بمدى تأثيرها على الأداء، ويُطلب من الفرد أن "يتجاوز" بسرعة، يبدو التحليل النفسي خطابًا غير منسجم مع العصر. بطيئًا، غير عملي، وغير مطمئن. ومع ذلك، أو بسبب ذلك تحديدًا، يظلّ حاضرًا، لا بوصفه حلًّا، بل بوصفه إزعاجًا ضروريًا.
منذ نشأته، لم يكن التحليل النفسي مشروعًا لتحسين الإنسان، بل مشروعًا لزعزعة أوهامه فحين كتب فرويد في كتابه الأنا و الهو Das Ich und das Es عبارته الشهيرة ( الأنا ليست سيدة في بيتها)، لم يكن يقصد استفزاز القارئ فقط، بل كان يضع حدًّا لفكرة متجذّرة مفادها أن الإنسان يعرف ما يريد، ويفعل ما يعرف. هذه الجملة لا تقول إن الإنسان ضعيف، بل تقول إن الوعي ليس مركز السيادة اذ هناك شيء آخر يعمل، يتكلم، يقرّر، ويظهر رغمًا عن نوايا الأنا. هذا الاكتشاف هو الجرح الذي لم يندمل، لا في الفكر الغربي ولا في الممارسات العلاجية المعاصرة.
الإنسان اليوم يُطالَب بأن يكون ذاتًا متماسكة، واضحة، وقابلة للعَرَض. يُطالَب بأن يعرف نفسه، أن يسمّي مشاعره، أن يحدّد أهدافه، وأن يعمل باستمرار على "تطوير ذاته". لكن هذا الطلب ذاته يُنتج ضغطًا غير مسبوق ، فحين يُطلب من الذات أن تكون كاملة، يصبح أيّ شرخ فشلًا، وأيّ تردّد علامة ضعف. هنا تظهر الأعراض لا كاستثناء، بل كقاعدة أي أن القلق الذي لا سبب له، الاكتئاب الذي لا يرتبط بحادثة واضحة، الشعور بالفراغ رغم الامتلاء الظاهري، العلاقات الهشّة التي تتكرّر بنفس السيناريو. هذه ليست أعطالًا فردية، بل نتائج منطقية لخطاب يرفض الاعتراف بالانقسام.
في هذا السياق، يعود التحليل النفسي ليقدّم موقفًا غير مريح بقوله أن العرض ليس عدوًا يجب القضاء عليه ففرويد كان واضحًا حين قال في محاضراته التمهيدية إن ( العرض هو تشكّل تسوية) أي حلّ مؤقّت بين رغبة لا يمكن الاعتراف بها، وقانون لا يمكن خرقه، وأنا يحاول البقاء. حين نفهم العًرًض بهذه الطريقة، يتغيّر السؤال من أساسه. لم نعد نسأل: كيف نزيله؟ بل: لماذا احتجنا إليه؟ ماذا يحلّ محلّه؟ وما الذي سيحدث لو اختفى فجأة؟
هذا التحوّل في السؤال هو ما يجعل التحليل النفسي غير قابل للاختزال في تقنية علاجية فالخطاب العلاجي السائد اليوم يسعى إلى تخفيف الأعراض، إلى إعادة الفرد إلى "الوظيفة"، إلى جعله قادرًا على الاستمرارأما التحليل النفسي فيتوقّف عند ما يحاول هذا الخطاب تجاوزه اي معنى المعاناة. ليس معنى أخلاقيًا أو فلسفيًا عامًا، بل معنى ذاتيًا، مرتبطًا بلغة الشخص، بتاريخ علاقاته، وبما لم يُقَل ولم يُسمَح له بأن يُقال.
حين سيأتي لاكان ليقول ( اللاوعي مبني كلغة )  L’inconscient est structuré comme un langage ، فهو لا يجمّل التحليل النفسي بلغة فلسفية، بل ينقل مركز الثقل فاللاوعي ليس مستودع غرائز، ولا فوضى داخلية، بل خطاب. شيء قيل ولم يُسمَع، أو قيل بلغة الآخر، ثم عاد في شكل عًرًض. من هنا يصبح التحليل النفسي فعل قراءة، لا تدخّلًا تصحيحيًا. قراءة لما يتكلم في الشخص حين يظنّ أنه صامت، ولما يتكرّر حين يعتقد أنه يختار بحرّية.
الكلام في التحليل النفسي ليس اعترافًا، ولا فضفضة، ولا سردًا منظمًا للسيرة الذاتية إنه كلام يعمل ضدّ نفسه فهو يتعثّر، ينحرف، يتناقض، ويكشف ما لا يريد صاحبه قوله فالزلّات، التكرارات، الصمت، كلها ليست عوائق، بل مفاتيح و لهذا كتب فرويد في مقاله التذكر، التكرار و العمل من خلال Erinnern, Wiederholen und Durcharbeiten أن ( المريض لا يتذكّر، بل يكرّر)  أي أن ما لم يُفكَّر فيه يعود، لا في الذاكرة، بل في الحياة اليومية، في العلاقات، في الاختيارات، وفي الفشل المتكرّر.
اذا التحليل النفسي لا يحرّر الإنسان من ماضيه، بل يغيّر علاقته به. لا يجعله "يفهم" طفولته، بل يرى كيف ما زال يعيشها دون أن يدري. التكرار ليس مرضًا في حدّ ذاته، بل محاولة للحل والتحليل لا يوقف التكرار بالقوة، بل يسمح للذات بأن ترى موقعها فيه، وأن تتحمّل مسؤوليتها الرمزية، لا الأخلاقية، عن ما يتكرّر.
في عالم تُبنى فيه الهوية عبر الصورة، يصبح هذا الكلام أكثر حدّة فوسائل التواصل الاجتماعي لا تصنع النرجسية فقط، بل تفرض نموذجًا معيّنًا للرغبة. هنا يكتسب قول لاكان (الرغبة هي رغبة الآخر) Le désir est le désir de l’Autre  أهميته القصوى. الرغبة لا تنبع من الداخل كما نحب أن نعتقد، بل تتشكّل في علاقة بالآخرأي بما يريده، بما ينتظره، وبما يعترف به فحين تُختزل الذات في صورة، تصبح الرغبة معلّقة على نظرة الآخر، ومعها يظهر فراغ لا يُملأ بأيّ عدد من الإعجابات أو الاعترافات.
التحليل النفسي لا يعالج هذا الفراغ بوعد ملئه، بل بالاعتراف به فالنقص ليس خللًا يجب إصلاحه، بل شرط الرغبة نفسها و لهذا يصرّ لاكان في سيميناره الحادي عشر Le Séminaire XI على أن الحقيقة ليست سرًّا مخفيًا، بل شيء لا يمكن قوله كاملًا La vérité ne peut pas se dire toute، لأن اللغة نفسها تقوم على النقص وكل خطاب يعد بالحقيقة الكاملة، أو بالشفاء النهائي، هو خطاب إنكاري.
في السياق العربي، تتضاعف حساسية هذه المسائل فالمجتمع لا يفرض الصمت فقط، بل يفرض المعنى أيضًا  ما لا يجوز قوله معروف سلفًا، وما يجب الشعور به محدّد اجتماعيًا و في مثل هذا السياق، لا يختفي اللاوعي، بل يصبح أكثر دهاءً اذ يظهر في أعراض جسدية بلا سبب طبي واضح، في قلق أخلاقي مفرط، في شعور دائم بالذنب، في علاقات تقوم على التضحية الصامتة أو السيطرة غير المعلنة و هذه ليست "مشاكل فردية"، بل تجلّيات خطاب لا يترك مكانًا للكلام الحر.
التحليل النفسي هنا لا يأتي ليحرّض على التمرّد، بل ليكشف الأثر فهو لا يقول: ارفض، بل: اقرأ بمعنى اقرأ كيف تتكلم السلطة من خلالك، كيف تصبح جزءًا من رغبتك، لا قيدًا خارجيًا فقط فهذا التحوّل من المواجهة إلى القراءة هو ما يجعل التحليل النفسي ممارسة دقيقة وخطيرة في آن واحد، لأنه لا يمنح العدو وجهًا واضحًا، بل يكشف التواطؤ الصامت.
في زمن تُختزل فيه الصحة النفسية في "التكيّف"، يرفض التحليل النفسي أن يكون أداة تطبيع فهولا يسأل: كيف تتأقلم؟ بل: لماذا يجب أن تتأقلم بهذا الثمن؟ ما الذي تصمت عنه كي تستمر؟ ماذا تخسر من ذاتك كي تكون مقبولًا؟ هذه الأسئلة لا تناسب منطق السوق، لكنها تناسب الإنسان بوصفه كائنًا ناطقًا un être parlant، لا مجرّد وظيفة اجتماعية.
بول ريكور حين وصف فرويد بأنه سيد الشك maître du soupçon  لم يكن يمدحه فقط، بل كان يحدّد موقع التحليل النفسي أخلاقيًا فالشك هنا ليس عدميًا، بل مقاومة للبداهة اي مقاومة للمعنى الجاهز، للسرد المتماسك، وللصورة التي نقدّمها عن أنفسنا فالتحليل النفسي يشكّ لأن أكثر ما يؤلم غالبًا ما يبدو طبيعيًا.
التحليل النفسي ليس علاجًا للجميع، ولا يدّعي ذلك. لكنه يقدّم مساحة نادرة: مساحة لا يُطلب فيها من الشخص أن يكون أفضل، بل أن يكون صادقًا فالشفاء، إن حدث، ليس اختفاءً للصراع، بل تحوّلًا في علاقة الذات به بأن يتحمّل الإنسان انقسامه بدل أن ينكره، وأن يعيش مع نقصه بدل أن يطارده بوهم الاكتمال.
اليوم، ما يعنيه التحليل النفسي هو الدفاع عن الزمن الذاتي في عالم يكره الانتظار، وعن الكلام في عالم يفضّل التعليمات، وعن الرغبة في عالم يبيع الإشباع. إنه لا يعد بالسعادة، ولا بالانسجام، ولا بالسلام الداخلي لكنه يقدّم شيئًا أكثر تواضعًا وأكثر صدقًا أن لا يكذب الإنسان على نفسه و ربما، في عالم يقوم على هذا الكذب بالذات، يكون هذا كافيًا ليظلّ التحليل النفسي حيًّا.

مراجع :

سيجموند فرويد، محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي

سيجموند فرويد، الأنا والهو

جاك لاكان، كتابات (Écrits)

جاك لاكان، السيمينار الحادي عشر ( 11 Le Séminaire)

إليزابيت رودينسكو، تاريخ التحليل النفسي

بول ريكور، في التفسير


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

أحدث الاخبار

التصنيفات

زوارنا من العالم

Flag Counter

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *